الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
69
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ثمارها جائز إذا دعت إليه المصلحة المتعينة وهو قول مالك . وإتلاف بعض المال لإنقاذ باقيه مصلحة وقوله : مِنْ لِينَةٍ بيان لما في قوله : ما قَطَعْتُمْ . واللّينة : النخلة ذات الثمر الطيّب تطلق اسم اللينة على كل نخلة غير العجوة والبرنيّ في قول جمهور أهل المدينة وأئمة اللغة . وتمر اللّينة يسمى اللّون . وإيثار لِينَةٍ على نخلة لأنه أخف ولذلك لم يرد لفظ نخلة مفردا في القرآن ، وإنما ورد النخل اسم جمع . قال أهل اللغة : ياء لينة أصلها واو انقلبت ياء لوقوعها إثر كسرة ولم يذكروا سبب كسر أوله ويقال : لونة وهو ظاهر . وفي كتب السيرة يذكر أن بعض نخل بني النضير أحرقه المسلمون وقد تضمن ذلك شعر حسان ولم يذكر القرآن الحرق فلعل خبر الحرق مما أرجف به فتناقله بعض الرواة ، وجرى عليه شعر حسّان وشعر أبي سفيان بن الحارث ، أو أن النخلات التي قطعت أحرقها الجيش للطبخ أو للدفء . وجيء بالحال في قوله : قائِمَةً عَلى أُصُولِها لتصوير هيئتها وحسنها . وفيه إيماء إلى أن ترك القطع أولى . وضمير أُصُولِها عائد إلى ما الموصولة في قوله تعالى : ما قَطَعْتُمْ لأن مدلول ما هنا جمع وليس عائدا إلى لِينَةٍ لأن اللّينة ليس لها عدة أصول بل لكل ليّنة أصل واحد . وتعلق عَلى أُصُولِها ب قائِمَةً . والمقصود : زيادة تصوير حسنها . والأصول : القواعد . والمراد هنا : سوق النخل قال تعالى : أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ [ إبراهيم : 24 ] . ووصفها بأنها قائِمَةً عَلى أُصُولِها هو بتقدير : قائمة فروعها على أصولها لظهور أن أصل النخلة بعضها . والفاء من قوله : فَبِإِذْنِ اللَّهِ مزيدة في خبر المبتدأ لأنه اسم موصول ، واسم الموصول يعامل معاملة الشرط كثيرا إذا ضمن معنى التسبب ، وقد قرئ بالفاء وبدونها قوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ في سورة الشورى [ 30 ] . وعطف وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ من عطف العلة على السبب وهو فَبِإِذْنِ اللَّهِ لأن السبب في معنى العلة ، ونظيره قوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ الآية في آل عمران [ 166 ] .